مصطفى بن سليمان بالي زاده الحنفي
67
شرح فصوص الحكم
من الملك ليس بملك لهم حقيقة بل هو ملك للَّه وهم مستخلفون فيه ولم ينكشف لهم حقيقة الأمر ويدل على ذلك ما جاء ( في المحمديين ) أي في حق هذه الأمة ( وأنفقوا مما جعلكم ) اللّه ( مستخلفين فيه ) فأثبت الملك لنفسه والوكالة لهم لكونهم عالمين الأمر على ما هو عليه في نفسه فأنزل اللّه كلامه في حقهم على الحقيقة ( وفي نوح عليه السلام أَلَّا تَتَّخِذُوا مِنْ دُونِي وَكِيلًا [ الإسراء : 2 ] فأثبت الملك لهم والوكالة للَّه فيه ) أي في الملك فأخرج اللّه كلامه في حقهم على تخيلهم لا على الحقيقة فلما مكروا اللّه مكر اللّه معهم والمحمديون لما عرفوا بالكشف صدقهم اللّه وما مكر معهم في أن ما في أيديهم من الآلات البدنية والأولاد والأموال ليس ملك لهم ( فهم مستخلفون فيه ) أي فيما في أيديهم ( فالملك للَّه ) في الحقيقة ( وهو وكيلهم فالملك لهم ) أي الحق وكيل المحمديين والملك حينئذ لهم لأنهم لما جاء في حقهم وَأَنْفِقُوا * فقد أثبت التصرف لهم في ملك الحق ، ولما أخبر اللّه بهم عن معاملته مع قوم نوح عليه السلام بقوله : ألا تتخذوا وكيلا دعاهم إلى طريق المشاهدة . وفي حق المحمديين معناه : استخلفوني فيما كنتم مستخلفين فيه واتركوا تصرفكم في ملكي من الإنفاق وغيره وأثبتوا إلى التصرف كما أثبت لكم بقولنا : وأنفقوا فإن ذواتكم وصفاتكم وأفعالكم كلها في الحقيقة وأنتم مستخلفون فيها فهو مالك الملك كلها وهو عزل الوكيل فكانت هذه الآية مكرا في قوم نوح عليه السلام وأمرا في حقنا إلى الفناء في اللّه فجاء المستخلف في حقنا صريحا بفتح اللام وضمنا بكسر اللام فنحن جعلنا الحق مستخلفا بفتح اللام بأمر اللّه تعالى بإثبات الملك كله للَّه في ضمن قوله تعالى : أَلَّا تَتَّخِذُوا فكنا وكيله بقوله : وَأَنْفِقُوا * وكان وكيلنا بقوله : أَلَّا تَتَّخِذُوا مجازاة لنا وأما لهم فلا ، لأن هذه الآية ما جاءت في حقهم إلا لإثبات الملك لهم والوكالة للَّه على زعمهم فالحق لا يكون وكيلا منهم إذ الوكالة باستخلاف الموكل فهم لم يجعلوا الحق مستخلفا فيما بين أيديهم فظهر أن الضمير في قوله : وكيلهم يرجع إلى المحمديين وبعضهم قال : يرجع إلى قوم نوح عليه السلام وهو صحيح لكن الأول أنسب بالمقام وهذا هو المعنى الذي يفهمه العلماء باللّه لذلك نصبوا أنفسهم بأمر اللّه تعالى لإرشاد العباد إلى مثل هذه المعاني الشريفة والعلوم الحقيقة من لطائف القرآن وأسراره التي لا يحصل إلا بطريق التصفية ( وذلك ) أي كون الملك للمحمديين والحق وكيلهم أو كون الملك لقوم نوح عليه السلام والحق وكيلهم على تقدير إرجاع ضمير وكيلهم إلى قوم نوح عليه السلام أو قوله : أَلَّا تَتَّخِذُوا مِنْ دُونِي وَكِيلًا [ الإسراء : 2 ] ( ملك الاستخلاف ) وهم الذين جعلوا الحق مستخلفا في ملك الحق الذين جعلهم الحق مستخلفين فيه وهذا هو معنى ملك الاستخلاف الذي يسر اللّه لعباده الكمل وهم الذين أفنوا أفعالهم وصفاتهم وذواتهم كلّها في اللّه ولم يروا شيئا لأنفسهم حتى تصرفوا فيه فتركوا الحق يتصرف لهم في ملكه ( وبهذا ) أي وبسبب ملك الاستخلاف ( كان الحق مالك الملك كما قال الترمذي ) إذ الموكل ماله التصرف في الوكيل